
![]()

كثير من الناس يخلطون، بين الانفعال والواقعية، وبين أن تصرخ وأن تكتب.. أن «تسولف» وأن تدلي بتصريح، بين أن تتكلم وأن تعترف، أو أن تستمع وأن «تتسمع»، وجماهير الأندية بالذات، ولأنها تعشق ناديها في كل أحواله، ولا تقبل المساس به أو بمن فيها، هي من النوع الأول، العفوي، والعاطفي، وهذا سر جماله، وسر حضوره، وبدون هذه المساحة الشاسعة المتاحة أمامه، ربما لا يصبح للعبة طعم ولا لون، ولك أن تتخيل مثلاً مشجعاً، يشجع ناديه بدبلوماسية، وتصرفات بروتوكولية، فيضحك بحساب ولا يخرج عن طوره أبداً.. أكيد لن تستقيم الصورة.
أما الصنف الثاني، فمن بين من يضمهم، نحن الإعلاميين، فحتى وإن اختلفت آراؤنا أو كانت لنا ميولنا لناد ما، إلا أننا على الورق، ليس مطلوباً ولا متاحاً لنا أن نكون مشجعين، فنغض الطرف مثلاً عن عيوب النادي الذي نحبه، ونعادي من يعاديه، دون سبب أو سند، كما أن كون الإعلام مرآة للشارع الرياضي، يعني ببساطة أن يقوم بدور الناقل دون تعليق ولا وجهة نظر، غير أن الأمر قد يختلف نسبياً في «زوايا الرأي» فيصبح بإمكانك أن تقول رأيك في شأن من الشجون، وأن توافق أو ترفض، ولكن أيضاً وفق مجموعة من المعايير، في مقدمتها ألا تنصب نفسك قاضياً لقضية مطروحة أمام جهة اختصاص، كلجنة الانضباط أو الاستئناف مثلاً، أو تعلق على حكم، وإن جاز لك أن تتساءل فقط عما لا تجد له تفسيراً أو اختلط عليك من أمور.
أحياناً هذه الأعراف الصحفية، والقواعد المنظمة للكتابة، والتي تخصص لها مادة في أقسام الصحافة بكليات الإعلام، قد تختلط على بعض المشجعين، فهم يريدون نصرة ناديهم، بغض النظر عن الوسيلة، ويلومونك إن لم تقف «في زاويتك» كما يقفون في المدرجات، وتهتف معهم «ليسقط المدرب الفلاني» أو ليرحل عن دورينا.
ومن هؤلاء صديق، عاتبني منذ أيام حد الهجوم، والاتهام بأننا جميعاً نخاف من الأسطورة الأرجنتيني مارادونا، ونخشى الاقتراب من نقده، وأن كونه واجهة إعلامية وتسويقية لدورينا، لا يعني السكوت عما يفعله تجاه مدربين وأندية.
ولهذا الصديق، أقول إننا لا نخاف من مارادونا، وهو مدرب للوصل وليس لنا، وإقرارنا بأنه قيمة فنية، لا يعني السكوت عما يفعل، وما يفعله ويقوله، تنشره الصحافة تفصيلاً، فتنقل مؤتمراته الصحفية وكل شاردة وواردة فيها، وكذلك انفعالاته وحركاته وسكناته في الملعب، وإلى هنا ينتهي دور الرصد، أما إن كنت تقصد الزاوية، فليس مطلوباً مني أن «أسبّه» لأرضيك وأظهر قوتي وعدم خوفي من مارادونا، كما أن لجنة الانضباط تدرس كل القضايا الخاصة بهذا الصدد، وبالأمس قررت تغريم مارادونا 9 آلاف درهم، ووجهت له إنذاراً بسبب تصريحاته تجاه مدرب العين كوزمين بناء على اللائحة الإرشادية للمخالفات والعقوبات، وهو ما يعني أن الأمور تحت المجهر وأن هناك من يحاسب، أما نحن فلسنا جهة محاسبة.
مارادونا، أسطورة، والأساطير من طبعها «المغالاة» والخروج عن المألوف، كما في أفلام «الخيال العلمي»، ولكن ليس الخروج عن النص، وأعتقد أن الرجل يكافح لضبط انفعالاته، وأجزم بأن أولى الناس بمحاسبة مارادونا «المدرب»، هي لجنة الانضباط، بدلاً من أن يُنَصّب الكتّاب أنفسهم قضاة، فهذا يدين، وهذا يبرئ.
كلمة أخيرة:
الكلمة مسؤولية، وليس من الإنصاف أن نكتب ما نرفض سماعه.
نقلا عن صحيفة "الاتحاد" الاماراتية
